احمد احمد بدوي
65
من بلاغة القرآن
وتنزل الفاصلة من آيتها ، تكمل من معناها ، ويتم بها النغم الموسيقى للآية ، فنراها أكثر ما تنتهى بالنون والميم وحروف المد ، وتلك هي الحروف الطبيعية في الموسيقى نفسها ، قال سيبويه : إن العرب إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنهم أرادوا مد الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا . وتأتى الفاصلة في القرآن مستقرة في قرارها ، مطمئنة في موضعها ، غير نافرة ولا قلقة ، يتعلق معناها بمعنى الآية كلها ، تعلقا تاما ، بحيث لو طرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم ، فهي تؤدى في مكانها جزءا من معنى الآية ، ينقص ويختل بنقصانها ، وهاك قوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) ( البقرة 2 - 7 ) . ترى الآية قد كمل معناها بالفاصلة ، وأن الفاصلة قامت بأداء نصيبها منه . وقد يشتد تمكن الفاصلة في مكانها ، حتى لتوحى الآيات بها ، قبل نطقها ، كما روى عن زيد بن ثابت أنه قال : أملى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ( المؤمنون 13 ، 14 ) . وهنا قال معاذ بن جبل : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له معاذ : مم ضحكت يا رسول اللّه ؟ قال : بها ختمت « 1 » - وحتى ليأبى قبولها ، والاطمئنان إليها ، من له ذوق سليم ، إذا غيرت وأبدل بها سواها ، كما حكى أن أعرابيّا سمع قارئا يقرأ : « فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن اللّه غفور رحيم » ، ولم يكن يقرأ القرآن ، فقال : إن كان هذا كلام اللّه فلا ، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ؛ لأنه إغراء عليه « 2 » ، والآية إنما ختمت بقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، وسواء أصح ذلك أم لم يصح ، فإنا نشعر هنا بما بين الفاصلة والآية ، من ارتباط لا ينفصم . خذ مثلا تلك الآيات التي تنتهى بوصفه سبحانه بالحكمة ، تجد فيها ما يناسب تلك الحكمة ويرتبط بها ، واقرأ قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة 220 ) . ألا ترى المقام وهو مقام تشريع وتحذير
--> ( 1 ) الإتقان : ص 14 . ( 2 ) المرجع السابق : ص 101 .